معضلة وارش بين ضغوط السياسة ومهنية الفيدرالي
يواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش اختباراً حرجاً بين ضغوط ترامب السياسية والالتزام بالانضباط النقدي الصارم لكبح التضخم. قراءة في قرار الفيدرالي المنتظر.
يقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اليوم على أعتاب واحد من أكثر اجتماعاته مصيرية في التاريخ الحديث، حيث تفصلنا ساعات قليلة عن نتائج اجتماع مجلس الفيدرالي المنعقد أمس واليوم. ولا يمثل هذا الاجتماع مجرد محطة دورية لتحديد تكلفة الإقراض، بل هو اختبار حقيقي ومباشر لاستقلالية البنك المركزي، ومصداقيته أمام الأسواق، وقدرته على حماية الاستقرار المالي.
ربما لم يتخيل كيفين وارش، يوم اختاره دونالد ترامب لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، أن يجد نفسه بهذه السرعة في مواجهة قرار قد يختلف فيه مع من أتى به لشغل هذا المنصب. ففي خلفية المشهد لهذه المواجهة وخلف الأرقام المجردة ومؤشرات التضخم المعقدة، يدور صراع فكري عميق في العاصمة الأمريكية. فمن جهة، يبنى الرئيس دونالد ترامب جزءاً كبيراً من سرديته الاقتصادية على انتقاد سلفه جيروم باول، متهماً إياه بتعطيل النمو عبر التمسك بمستويات فائدة مرتفعة. ومن هنا، جاء تعيين كيفين وارش كخطوة استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير جذري يتناغم مع رؤية إدارة تريد أسواقاً منتعشة، ونمواً مدفوعاً بسيولة رخيصة، ومعدلات فائدة منخفضة تدعم مشاريع التوسع الاقتصادي. وفي عمق هذا التوجه، ينطلق ترامب ومؤيدوه من قناعة يغديها مستشارون متأثرون بأفكار براغماتية قد تكون قد استمدت منطقها من “النظرية النقدية الحديثة” وجوانب معدلة من “المدرسة النمساوية”، مفادها أن العقيدة التقليدية للبنوك المركزية قاصرة وأنها عطلت النمو لعقود. حيث يرى أصحاب هذا الفكر أن الفائدة المرتفعة ليست أداة علمية ناجحة لكبح التضخم، بل هي تكلفة معطلة للاستثمار وعبء يستنزف مئات المليارات من خزينة الدولة لخدمة الدين العام. وعيه لا ينقطع ترامب عن تصريحاته بإن الدولة ذات الائتمان الأقوى عالمياً يجب أن تحظى بالفائدة الأقل دائماً، وأن التضخم يُحارب بزيادة الإنتاج والتعريفات الجمركية لا بخنق الأسواق بالائتمان الشحيح.
في المقابل، لا يبدو أن موقف رئيس الفيدرالي كيفين وارش بينما يدخل اليوم الاجتماع التاريخي في قاعة المجلس (Board Room) في مبنى “مارينو إكليس” الذي يبعد بضع خطوات إلى الغرب من البيت الأبيض يتفق مع وجهة نظر الإدارة الأمريكية بقدر ما يعكس إيمانه الراسخ وثباته على النظرية الكلاسيكية المستقرة وعقيدتها الفكرية المتجذرة في حماية الائتمان ومحاربة التضخم باعتباره “ضريبة تدميرية” والتشبث بالحقائق الميدانية وعدم الانسياق وراء طروحات سياسية عابرة لم تثبت صحتها يوماٌ.
المؤشرات اليوم لا تساعد في حسم القرار بسهولة، خصوصاً بعد أن أظهرت مؤشرات التضخم ارتداداً عنيداً؛ فتضخم أسعار المستهلكين قد بلغ 3.4% حسب بيانات شهر أغسطس ما عزز من توقعات رفع الفائدة واستبعاد تثبيتها، رغم أن الفيدرالي لا يستهدف هذا المؤشر مباشرة، بل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي، ورغم أن ما يعني الفيدرالي ليس بيانات شهر واحد، بل الاتجاه الذي تكشفه الأرقام عن اقتراب التضخم أو ابتعاده عن مستواه المستهدف، وعن مدى قدرة الاقتصاد على تحمل أسعار فائدة أعلى.
في الوقت الذي نرى فيه الإشارات السياسية واضحة بثبات لا تقبل التراجع ولا تجامل، فإن الأسواق المالية في علاقتها مع الفيدرالي تعيش حالة من الضبابية المتبادلة وتضارب الإشارات التي ربما غدت غير قادرة على تقديم تغذية راجعة تساعد الفيدرالي في قراراته، بعد أن كانت تقوم بالتسعير وصياغة التوقعات، وتوفر معلومات مفيدة يأخذها صانع السياسة في الحسبان. فما يحدث في الواقع هو ان الفيدرالي يراقب أسعار الأسهم والسندات وتوقعات المتداولين ليعرف اتجاه الاقتصاد، وفي نفس الوقت، الأسواق لا تتداول بناءً على أساسيات الاقتصاد. وهو مشهد يضيف إلى معضلة الاحتياطي ولرئيسه الجديد تعقيدا إضافيا لا يقل عن جانبه المتمثل بالضغوط السياسية التي تمارسها إدارة ترامب على الاحتياطي الفيدرالي، مؤسسة ورئيسا.
وحول هذه العلاقة المرتبكة، لم يتردد وارش خلال حديثة في ندوة جاكسون هول في توجيه انتقادات صارمة بشأن العلاقة المضللة بين البنك المركزي وأسواق المال محذرا من تحولها إلى «قاعة مرايا» تتشابك مع سياسة “التوجيه المسبق” في صياغة السياسة النقدية اليوم، والتي أوقفها الفيدرالي منذ حين. فالمصطلح الذي أعاد وارش إحياءه والتحذير منه يعود تاريخيًا إلى خطاب شهير ألقاه رئيس الفيدرالي الأسبق بن برنانكي عام 2004، وحذر فيه من الاعتماد المفرط على إشارات الأسواق وخصوصا عندما تتوقف أسعار الأصول في الأسواق عن عكس البيانات الاقتصادية الحقيقيةـ كالنمو والتضخم، وبدلاً من ذلك تصبح مجرد “انعكاس” لما تعتقد أن الفيدرالي سيفعله. وفي المقابل، ينظر الفيدرالي إلى الأسواق ليحاول استشفاف توقعاتها، فيقع الطرفان في دائرة مغلقة من الانعكاسات اللامتناهية؛ تماماً كقاعة مرايا.
ثم إن وارش لا يتخذ القرار منفردًا. فالسياسة النقدية كثيرًا ما تُختزل في اسم رئيس الفيدرالي، كما حدث مع جيروم باول ويكاد يتكرر الآن مع وارش، مع أن القرار يصدر عن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بعد نقاش وتصويت يحسم بالأغلبية؛ يملك وارش فيه صوتا واحدا. ولا تخلو قرارات لجنة السوق المفتوحة من اختلافات بين من يؤيد ومن يخالف، فعلى سبيل المثال تم التصويت في الاجتماع السابق في يوليو على إبقاء الفائدة دون تغبير بأغلبية تسعة أصوات؛ كان وارش بين مؤيدي التثبيت، مقابل ثلاثة فضّلوا رفعها ربع نقطة. وهذا يوضح كيف أنه ليس بمقدور رئيس الاحتياطي الفيدرالي أن يتخذ قرارات الفائدة منفردا ما لم تفز بتأييد من اغلبية أعضاء المجلس الإثني عشر.
هنا تتجلى معضلة وارش متعددة الأوجه. فهو يواجه من الخارج رئيسًا اختاره وحدد بوضوح الفائدة التي يريدها، ويقود في الداخل لجنة قد تختلف في قراءة المتغيرات الاقتصادية، ولا يملك قرارها منفردًا، إضافة إلى أنه لا يرى جدوى في الجلوس في قاعة مرايا. فمهمته ليست أن يخالف ترامب أو أن يفرض رأيه على باقي أعضاء المجلس، بل أن يحافظ على مهنية القرار. لهذا تكتسب عبارة وارش في جاكسون هول، أنه «ملتزم بانضباط، لا بقرار» معناها الحقيقي. فالمهنية لا تعني التمسك بقرار مسبق، بل أن يبقى القرار وليدَ الأدلة، وأن يتغير حين يفرض تغير البيانات ذلك.
وعليه، فلن يكون القرار الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي بعد ساعات مجرد رقم يُضاف إلى شاشات التداول والأخبار، بل وثيقة تاريخية تُحدد ملامح العقد الاقتصادي المقبل. فالفيدرالي يقف عند نقطة حرجة تضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما سلوك طريق الانضباط النقدي الصارم برفع الفائدة وحماية الإرث التقليدي؛ حتى لو كان الثمن مواجهة سياسية مفتوحة مع الإدارة السياسية؛ لا يتمناها، وإما التراجع والوقوع في فخ التردد الذي قد يشتري هدوءٌ سياسياً مؤقتاً لكنه يغامر بإنتاج كارثة تضخمية وهشاشة مالية غير قابلة للاحتواء وبخسارة الثقة بمؤسسة ينظر إليها على أنها الحصن والحارس للنظام المالي الأمريكي والعالمي بذات القدر.
لكن ما يدعو للاطمئنان وفقا لمبادئ الفيدرالي الأمريكي الراسخة هو أن “تجنب الصدام” لا يمكن أن يكون معيارًا للقرار هذه الليلة؛ وهذه هي معضلة وارش الحقيقية، وبالضرورة خبرا مزعجا لترامب؛ رغم أنه يتوقعه ولا ينبغي أن ينتظر غيره.


اترك تعليقاً