المسبار الاقتصادي — الدكتور جمال المصري

استقطاب الاستثمار الأجنبي وعقلية الصفقات

المسبار الاقتصادي — الدكتور جمال المصري: قراءة أعمق لما وراء الأرقام

الدكتور جمال المصري

ورقة تحليلية · 2023

ملاحظة: كُتبت هذه الورقة عام 2023، ولم يسبق نشرها. وتعكس البيانات والأرقام الواردة فيها المعلومات المتاحة وقت كتابتها.

هيمنة عقلية الصفقات على عقلية العلاقة المستدامة في استراتيجيات تشجيع الاستثمار

يجب ألا يكون إخفاق السياسات الاقتصادية في تشجيع الاستثمار المحلي وتنميته عبر تاريخ الأردن الاقتصادي مبررًا لفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الأجنبية دون قيود ودون معايير إستراتيجية لإستراتيجية وسياسات جذب الاستثمارات التي بقيت تصاغ وفق نظرة قاصرة تنظر إلى الاستثمار على أنه مجرد صفقة. وهي عقلية بقي يدار بها ملف الاستثمار حتى يومنا هذا في سياق من التقليد والرؤية الضيقة وتحت ضغط الترحيب الكبير من بعض الجهات والمؤسسات والفعاليات، والتي ربما غاب عنها الإدراك بأن الاستثمار ليس مجرد صفقة تقاس بحجم أرقام زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، بل علاقة راسخة مع أنشطة الأعمال المحلية والمستثمرين المحليين تضمن الاحتفاظ بالاستثمار وإدامة العلاقة مع المستثمرين الأجانب على أسس عدالة المصالح وعدم الإضرار بالاستثمار المحلي ومحركات التنمية وركائزها الوطنية، وهو أمر ما كان له أن يدرك إلا بالوقفة المستحقة والدراسة المتأنية لبحث دواعيه، وأسبابه، وتوقيته، وأهدافه، وتقييم التجربة الماضية، وهو ما لم يحصل جديًا يومًا ما حسب علمي ومعرفتي، وليس باستبدال إستراتيجية ثبت فشلها بأخرى أو كلما تراجعت أرقام الاستثمار دون أن نكلف أنفسنا عناء دراسة أسباب ذلك، والتي قد تكون لأسباب قد تتعلق بجاذبية الاستثمار لدينا وتقلص الحوافز الاقتصادية التي أضحت عاجزة عن تبديد حالة عدم التأكد وعدم اليقين والمخاطر أمام المستثمر المحلي كما الأجنبي، والتي قد تمنعه من الاستثمار في أنشطتنا الاقتصادية، أو من التوسع في استثماراته القائمة، وليس بسبب إستراتيجيات الاستثمار وقوانينه وخطط الترويج له ومدى فاعلية المؤسسات القائمة على ترويج الأردن استثماريًا أو كفاءة القائمين عليها.

فالمستثمر ينشد الربح والعائد المجزي مع قليل من مستويات المخاطر، ويحتاج إلى الاطمئنان من آفاق الاقتصاد التي تضمن له تحقيق تلك الفوائد، حيث إن الفوائد الحقيقية لأي استثمار تأتي في مرحلة تالية، وليس مباشرة، وهي الفوائد التي لا تكون حقيقية ولا يضمن تحققها إلا إذا ما تحولت النظرة للاستثمار الأجنبي إلى ما أسميناه نظرة «العلاقة» بمفهومها الواسع والاقتصادي. وعندها فإن المستثمر الأجنبي سيسارع للاستثمار إذا ما تحققت له تلك المتطلبات المسبقة، وتيقن من استمرارها كما يريدها. وقد لا نحتاج حينها للذهاب باحثين عن الاستثمار الأجنبي والترويج لاجتذابه؛ لأنه سيأتي وحده. فما زلت أذكر حديث مدرس أحد المساقات الذي يتعلق بالاستثمار أثناء دراستي الجامعية حول ما يفسر هذه النقطة البديهية عندما قال «لو كنت مسؤولًا عن تشجيع الاستثمار لما ابتدعت خططًا، ولما أطلقت حملات للترويج للاستثمار الأجنبي، بل كنت سأكتفي بنشر منحنى العائد والمخاطر (وهو مصطلح معروف للمختصين في الاقتصاد، والمالية الدولية، والاستثمار) للاستثمار في الأردن كدولة، ولقائمة الفرص للمشاريع التي نرغب باستقطاب الاستثمارات إليها على المواقع الالكترونية للمؤسسات الاقتصادية، وحتى يجري عرضها على التلفاز ليكون بإمكان المستثمر تقييم قراراته ومقارنتها مع ذات المنحنيات للدول الأخرى؛ لأن هذا ما يحدد قرار المستثمر وليس حملات الترويج التي لا جدوى منها إن لم نبرز خصائص الاستثمار في البلد وميزاته النسبية مقارنة مع الغير، حتى ولو كان ذلك من خلال رسم لمنحنيات بسيطة، والتي قد تغني عن مئات الصفحات وعشرات الإستراتيجيات.

فقلما نجد دراسة تقييمية أو تقريرًا تحليليًا أو حديثًا لمسؤول عن الاستثمار الأجنبي يتحاوز الحديث عن الإيجابيات، ولغة المديح، إلى تناول صريح وجريء لسلبيات الاستثمار الأجنبي، وإستراتيجيات تشجيع الاستثمار، والاعتراف بها، وإلقاء الضوء عليها، والتحذير من المخاطر والأثار التي يحملها الاستثمار الأجنبي على الاقتصاد الوطني، وعلى علاقته بالاستثمار المحلي وضعف تلك العلاقة، وأسباب تراجعه وانكفائه في بعض المحطات، بمعنى خروج بعض رءوس الأموال من العملية الإنتاجية، وكذلك انتقالها إلى دول أخرى يجدها المستثمرون ملاذًا أكثر أمنًا واستقرارًا؛ لما توفره ربما من فرص مجزية للاستثمار فيها، وجني مزيد من العوائد والمكاسب.

لا شك في أن جذب الاستثمار الأجنبي وتعزيزه والحفاظ عليه أمر في غاية الأهمية حيث تسعى كل الدول إلى جذب الحصة الأكبر من تدفقاته لتعزيز الاستثمار المحلي، ودعم عملية الإنتاج والنمو والتنمية، لكنه ليس أمرًا بلا قيود واعتبارات تضمن تحقق الأهداف الإستراتيجية الوطنية والأهداف النهائية من وراء السماح له بالنفاذ إلى أسواقنا ومشاركة استثمارنا المحلي في إدارة عجلة إنتاج اقتصادنا دون أن يكون منافسًا له، لاسيما أن ضغوطًا فعلية قد يمارسها المستثمرون الأجانب من الداخلين الجدد والحاليين لمنحهم المزيد من المكاسب ومطالبتهم بحقوق اقتصادية وإعفاءات أكثر اتساعًا من تلك التي تتوفر للمستثمر المحلي، وهو ما قد يتسبب بالضغط على الاستثمارات الوطنية وخروجها من سوق المنافسة، لاسيما في ضوء الإمكانات الكبيرة التي تتوفر للشركات الأجنبية ولا تتوفر للمحلية منها.

لقد غدا التعامل مع الاستثمارات الأجنبية أكثر تعقيدًا، لاسيما في أعقاب الانفتاح الاقتصادي والعولمة التي بدأت في منتصف العقد الأخير من العام الماضي، والتي ولدت واقعًا جديدًا يقضي بضرورة وجود اعتبارات عديدة تحتم على سياسات الاستثمار التعامل مع الاستثمارات الأجنبية على نحو أكثر قبولًا ووفق صيغة تمكن الاقتصاد الوطني من الاستفادة منها وفق ضوابط تحد من التأثيرات السلبية. فقد ساعد النظام الاقتصادي الذي جرى تبنيه والقائم على مبدأ حرية السوق وسياسة الباب المفتوح على سهولة تدفق رءوس الأموال الأجنبية إلى الاقتصاد الوطني.

إن المشكلة مع الاستثمار الأجنبي وجذب ما يلبي منه الأهداف الإستراتيجية للاقتصاد الوطني هو غياب إستراتيجية للاستثمار يفترض أن يكون هدفها الأول والأخير تعزيز الاستثمار المحلي والحفاظ عليه، وتقديم الحوافز لتشجيعه كما تلك التي يحظى بها الاستثمار الأجنبي. ولا يعني ذلك طبعًا إغلاق الباب في وجه الاستثمارات الأجنبية، بل على العكس من ذلك فيفترض أن تتعزز سياساتنا الاستثمارية وتركز على جذب المستثمرين الأجانب الذين بإمكانهم المساعدة في توفير فرص عمل جديدة ومستحدثة، واستقدام رأس المال والتكنولوجيا ونقل المعرفة، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا من خلال علاقة تشاركية مع المستثمرين المحليين الراغبين بالاستثمار. ولن يتحقق هذا الهدف مع الطماع من المستثمرين الأجانب الذين لا يتوقفون عن المحاولة دائمًا لتعظيم مكاسبهم وارباحهم بعقلية الصفقات بعيدًا عن تحقيق الأهداف الوطنية للاقتصاد والذين لا يترددون عند أية حالات عدم اليقين أو مخاطر التي قد تنشاء في أوقات الأزمات التي قد تمر بها أية دولة بأن يغادروا السوق بعد تصفية استثماراتهم ما يشكل خالة من انعكاس رءوس الأموال أو ما يسمى الأموال الساخنة.

قد يتطلب كل هذا إعادة النظر في التعامل مع الاستثمار الأجنبي باعتباره علاقة بين استثمارين وليس صفقة، وهي علاقة تكاملية ويجب وجود ما يضمن ترسيخها، ويجب ألا يسمح لأي منهما بالتوسع، أو التقدم دون الآخر، أو أخذ مساحته. وعليه فإنه لا ينبغي أن يجري التعامل مع جميع أنواع الاستثمار الأجنبي المباشر بذات الأهمية في ظل أية إستراتيجية أو سياسة للتعامل مع الاستثمار الأجنبي والموافقة عليه، إذ إن للأنواع المختلفة من الاستثمارات تأثيرات مختلفة يتوجب دراستها من حيث توجه الاستثمار الأجنبي المباشر إلى استخراج الموارد الطبيعية أو جدوى الاستثمار الأولي على زيادة كفاءة الإنتاج، وزيادة حجم الصادرات أو استبدال المستوردات، أو استقطاب معرفة وتكنولوجيا جديدة، على سبيل المثال، وذلك لتباين تأثيرات هذه الأمور جميعها على التنمية الاقتصادية بكافة أبعادها وعلى التقدم الاقتصادي ومستويات معيشة المواطنين وفرص عملهم. أي أنه يجب لهذه الإستراتيجية ضمان الربط بين أهداف الاستثمار والنتيجة النهائية لتلك الاستثمارات. ولا ينبغي أن يكون الهدف من سياسة الاستثمار هو الاختيار ما بين الاستثمار المحلي والأجنبي، وإنما الربط بينهما عن طريق سلسلة القيمة المضافة على المستويات المحلية، والإقليمية، والعالمية، والذي يجب أن يواكب ذلك إصلاح مستمر للبيئة الاستثمارية والتشريعية الناظمة المنسجمة والمتوافقة مع اتفاقيات الاستثمار الدولية التي تحكم على نحو متزايد الإنتاج على المستويين المحلي والدولي.

لم يكن الاقتصاد الأردني يومًا موصد الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية كي تدخل إلى قطاعاتنا وأسواقنا المحلية، بل كنا أكثر استعدادًا لقبول الاستثمارات الأجنبية مندفعين بشعار الانفتاح الذي كان شعارًا يرفعه الجميع كدليل على التوجه للتحديث والمنافسة عالميًا والحاجة لتحقيق اندماج اقتصادنا بالاقتصاد العالمي لمواكبة التطورات التقنية والفنية وبالرغبة في تحقيق التطور العلمي والتنموي.

وقد يكون هذا هو المحرك والمبرر الأساس لدخولنا في برنامج التخاصية التي طالت كثير من الشركات والقطاعات التي كانت ملكية رأس مالها للحكومة، وحتى في مؤسسات القطاع الخاص كالبنوك، والفنادق، وبعض الأنشطة الخدمية، وهو ما زاد من الحضور القوي لرأس المال الأجنبي مستفيدًا؛ مما توفره له البيئة الاقتصادية وأفاقها من مزايا ومكاسب. وكذلك فقد كان حضور رأس المال الأجنبي من خلال قنوات مبادلة الدين بمشاريع الاستثمار والدعوات لإعطاء دور متزايد للقطاع الخاص في قيادة التنمية الاقتصادية في ظل ضغط الأوضاع الاقتصادية المتمثلة بمشاكل البطالة والعجز المزمن في الموازنات المالية للحكومة الذي بقي يقود إلى زيادة المديونية وتضاعفها عام بعد عام. ناهيك عن مطالبات واشتراطات المؤسسات والمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية (التي أملت شكل اتفاقات التجارة الحرة مع بعض الدول فيما يتعلق بالأحكام المتعلقة بالاستثمار) ونادي باريس للحكومة بأن يتولى القطاع الخاص قيادة التنمية الاقتصادية، وهو دور لا يمكن للقطاع الخاص النجاح فيه دون استقطاب الاستثمارات الأجنبية الذي صب في تسهيل الحصول على استثمارات ومزيد من انفتاح الاقتصاد على الخارج.

فبينما قد نجد ما يبرر قبولنا بكثير من الاستثمارات الأجنبية، وخصوصًا خلال العقد الماضي، وعدم وجود إطار منطقي ومدروس للتعامل مع الاستثمارات الأجنبية، وضيق حرية الاختيار للاستثمارات التي تحقق أهداف التنمية الحقيقية، تجب ملاحظة غياب إستراتيجية وطنية بإمكانها فرض علاقة راسخة ومتوازنة بين هذه الاستثمارات الأجنبية، وأنشطة الاقتصاد، والاستثمار المحلي، الذي كان منسيًا وحياديًا في كل المشاريع التي طالتها عمليات الخصخصة ومبادلة بعضها بالدين لصالح الدائنين، وقد أسهم في كل ذلك واقع ضيق السوق الأردني وصغر حجمه وضعف بنيته الاقتصادية والفنية ومحدودية الطاقة الاستيعابية وشدة التأثر بالأوضاع الخارجية وعدم وجود قيود على أنواع الاستثمار الأجنبي والقدرة على توجيهها نحو قطاعات محددة ووفق الأولويات التي تكفل تحقيق الأهداف التنموية التي تقود للتطور والنماء وعلى العمالة الأجنبية والخبرة الفنية والتقنية التي جاءت بها تلك الاستثمارات بما يدعم تحقق تلك الأهداف المفترضة.

إن الحاجة لضرورة إيجاد إطار لإستراتيجية التعامل مع الاستثمارات الأجنبية والموافقة عليها وضمان النهوض بالاستثمار المحلي وفق صيغة تضمن العلاقة المتوازنة مع الاستثمار المحلي وتكمل دوره في تحقيق النتائج التنموية، بعيدًا عن منطق الصفقات بلغة الأرقام، وعن الهالة الإعلامية والتهليل من المسؤول، ومن أقلام المحللين وحتى المواطن العادي الذي أدمن المديح والإشادة بالأرقام وحجم الصفقات دون أن يسأل عن تفاصيل الجدوى والفائدة من تلك الاستثمارات تمامًا كما يفعل عند استلام البلد منحًا أو مساعدات، وهو الذي تجده أول من ينتقد تلك الاستثمارات إذا ما ظهرت أثارها السلبية وعدم فائدتها للاقتصاد الوطني بعد حين، أو ثبوت أن هدفها كان السيطرة والاستحواذ والتحكم في السياسة الاقتصادية للبلد، وهو طبعًا، أي المواطن، لا يلام على ذلك؛ فلا يمكن لوم الناس على أمالهم وتمنياتهم وحقوقهم قبل ذلك.

قد لا نحتاج للتدليل على الأثار السلبية لبعض الاستثمارات الأجنبية وسيطرتها على الأوضاع الاقتصادية والسياسة الاقتصادية في البلدان المستضيفة التذكير بأمثلة عديدة غدت معروفة، فمنها مثلا الأزمة المالية العنيفة التي حدثت ي المكسيك في عام 1994 وفي دول جنوب شرقي آسيا في عام 1997 التي جاءت نتيجة سيطرة رأس المال الأجنبي وانخراطه في المضاربات المضرة بالاقتصاد ومنافسة المستثمرين المحليين، لكن يمكن التدليل على ذلك من قراءة مثل هذه السلبيات من الشواهد العديدة لملف وأداء الاستثمار الأجنبي في الأردن عبر السنوات الماضية، وكيف أنها شكلت تحديا للسياسة الاقتصادية وإضرارها بالاستثمار المحلي دون أن يكون لها مكاسب وفوائد ذات قيمة على الاقتصاد الأردني أو مساهمة ذات أثر واضح في تحقيق التنمية وحل المشاكل والتحديات الاقتصادية، وفي خلق فرص التوظيف للأردنيين بشكل ملحوظ أو تدريب العمالة والأردنية وتمكينها أو في نقل التكنولوجيا والخبرات والمعارف الفنية. وعلى العكس من هذا فقد ذهبت كثير من تلك الاستثمارات في بعض الحالات إلى مشاريع وأنشطة انتاجية لم تفد الاقتصاد الوطني بقدر ما أضرت به، وخاصة تلك المشاريع التي تعتمد على استيراد المواد الخام من الخارج واستقدام العمالة الأجنبية الرخيصة، والذي كان من شأنه أن يؤدي إلى حرمان الاقتصاد الوطني من قيمة مضافة ذات أثر ومعنى لا تشكل إضافة حقيقية إلى الناتج المحلي الإجمالي فيما لو جرى الاعتماد على استثمار الموارد المحلية المتاحة والعمالة الوطنية علاوة على أنها قد حلت مكان استثمارات محلية ومشاريع انتاجية كانت قائمة قبل وفود هذه الاستثمارات وأخرجتها من السوق، ومن أمثلة تلك المشاريع مصانع الألبسة والأعمال التي تقتصر على التعبئة، والتغليف، والتشطيب، والتي حضرت للاستفادة من تسهيلات المناطق الصناعية والمناطق الصناعية المؤهلة والميزات التي توفرها.

أما الأمثلة الأكثر وضوحًا على ضحالة الفائدة التي عادت بها بعض الاستثمارات على الاقتصاد الأردني، فهي الاستثمارات التي جاءت على عربة تخاصية بعض القطاعات الحيوية كقطاع الطاقة والكهرباء التي استحوذ عليها المستثمرون الأجانب بثمن بخس دون أن يكون لهم أي دور في تعزيز الاستثمار في تلك القطاعات وتوسيع الاستثمارات وإدخال التكنولوجيا الحديثة.

فكما يعترف تقرير لجنة تقييم لتخاصية التي تولى الدكتور عمر الرزاز رئاستها فإن خصخصة قطاع الكهرباء لم تنجح في تحقيق الأهداف الاقتصادية المرجوة منها سواء، أكانت بتعظيم الاستثمار الإستراتيجي، أو بحماية الخزينة من تبعات زيادة كلفة الوقود، أو بزيادة كفاءة القطاع، أو تنويع مصادر الطاقة. وعزا التقرير ذلك إلى أنه قد جرى التعاقد مع مستثمر مالي بدلًا عن مستثمر إستراتيجي في قطاع الإنتاج ضمن ترتيبات حملت الشركة كافة المخاطر المالية التي تتحملها الحكومة في المحصلة علاوة على تحملها دفع ثمن عجز وضعف محطات وشبكات التوزيع وثمن الفاقد. وما يبعث على الاستغراب والريبة والحيرة استمرار الارتهان لهذه الاتفاقات على حساب الصالح العام من خلال إرتفاع أسعار الطاقة التي ارهقت كاهل المواطن وأضرت بتنافسية الصناعات والأنشطة الإنتاجية دون مبرر؛ ذلك أنها جعلت «الغُرْم» كله للحكومة، الذي يرحل للمواطن والاقتصاد بالتالي، بينما «الغُنْم» غير ناقص للمستثمر الأجنبي التي آلت إليه ملكية شركات الكهرباء التي جرت خصخصتها. ولا يتوقف الاستثمار الأجنبي في تحديه للسياسة الاقتصادية للدولة الأردنية في قطاع الطاقة هنا، فما زلنا نتابع قرار الحكومة باللجوء إلى التحكيم الدولي في محاولة لثني الشركة التي آل إليها الاستثمار في استخراج الصخر الزيتي في مشروع العطارات عن محاولتها لفرض أسعار للطاقة الكهربائية المنتجة باستخدام الصخر الزيتي وإثبات الغبن الفاحش.

ولم يكن الاستثمار الأجنبي في إطار خصخصة شركة الإسمنت، ومنح رخصة أمنية الأولى، وشركة الفوسفات أفضل حالًا منه في تجربة تخاصية شركات توليد وتوزيع الكهرباء، كونها لم تأت منسجمة مع الممارسات الفضلى في التنفيذ حسب اعتراف تقرير تقييم التخاصية أيضًا. وليس هذا وحسب، فحتى الاستثمارات التي توجهت للقطاعات الخدمية فسرعان ما عادت وانسحبت بعد سنوات بعد أن استفادت من حجم المكاسب الكبير؛ فعادة ما تتسم الاستثمارات الأجنبية قصيرة المدى في اختيار القطاعات الخدمية بدلًا عن القطاعات الصناعية لتحقيق مكاسب وقتية في ظل غياب إستراتيجية للتنمية في الدولة المستقبلة لهذه الاستثمارات وأحيانًا ضعف القوانين والتشريعات. وهو ما حدث فعلًا فيما يتعلق ببعض الاستثمارات في بعض البنوك وفي الملكية الأردنية وغيرها من الأنشطة عندما قام بعض المستثمرين ببيع استثماراتهم والتي آل كثير منها إلى صندوق استثمار الضمان الاجتماعي ليضيع الفرصة لاستثمار أموال الصندوق في قطاعات أخرى قد يحتاجها الاقتصاد أكثر.

علاوة على أن وجود الاستثمارات الأجنبية يمكن أن يزيح الاستثمار المحلي ويضر بفرصه ويقلصها، فإنه يشكل تسربًا للاحتياطيات من العملات الصعبة من الاقتصاد الوطني على شكل أرباح لاستثماراتهم يحرصون على تحويلها إلى بلدانهم في الخارج. وهي تدفقات لا يستهان بها؛ حيث بلغت في السنوات الأخيرة حوالي 1.2 مليار دولار بالمتوسط سنويًا.

في ضوء كل ما سبق ذكره، ينبغي أن يجري تطوير الأطر التي تقوم عليها إستراتيجياتنا وسياساتنا لتشجيع الاستثمارات بحيث تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الاستثمارات الأجنبية عندما ندعو لفتح أسواقنا أمامها، والتي تعلي من أهمية دراسة أبعاد ودوافع الاستثمارات الأجنبية، وتحديد قنوات الاستثمار، والقطاعات الإنتاجية التي نرغب في توجيه الاستثمار نحوها، ولاسيما في إنتاج السلع القابلة للتصدير، وأن يخضع تشجيع الاستثمارات الأجنبية للتخطيط الحصيف من خلال إستراتيجية تنظر للاستثمار على أنه علاقة مع الاستثمار المحلي لا انفصال بينهما، وتحول دون تردد المستثمر المحلي ودفعه إلى خارج الاقتصاد الوطني أينما وجد فرصًا بديلة تضمن له تحقيق عوائد أفضل من العوائد التي تتوفر له في الوطن، وهي بالمناسبة ذات الفرص التي تدفع المستثمر الأجنبي للاستثمار في اقتصادنا أو حتى الاستمرار، والتي تقلصت إلى حدود منفرة وطاردة للاستثمار بسبب ارتفاع التكاليف المتأتية عن طريق العديد من الضرائب، والرسوم العالية، ومن غلاء أسعار الطاقة، ومستلزمات الإنتاج، وغياب الحوافز، التي تضمن استدامة مشاريعهم وأرباحها، وتحقق الأهداف من إنشائها، بما يصب في تعظيم النمو الاقتصادي، وتمتين محركات التنمية، والعمل، والتحسين المستمر للظروف المعيشية للجميع، وأداء القطاعات كافة بدلًا عن الأحوال التي يعيشها اقتصادنا الوطني منذ سنوات، والتي لا تخفى على أحد ولا يمكن إنكارها.


عمّان،